محمد عبد الله دراز
248
دستور الأخلاق في القرآن
نوع من تفويض السّلطة الإلهية . ولنأخذ أوّلا المسؤولية الّتي توجدها مبادرتنا الفردية ، فلا ريب أنّ الإسلام يحلّها مكانا فسيحا ، ويدمجها في مجالات كثيرة بالمسئولية الّتي أقرتها قواعد الشّرع المنزل . ومثال ذلك أنّ المحسن الّذي يوقع بإمضائه طوعا ، وبمحض اختياره - لا يمكن شرعا أن يسحب توقيعه . والشّخص الثّالث الّذي يضمن دينا على سبيل المروءة يصبح مدينا بدوره . والتّقي الّذي يعزم على أداء نافلة ، وهو يشهد اللّه على إقراره - يصبح منذئذ أمام تكليف ملزم . وفي كلمة واحدة ، أيما امرئ يعطي كلمة لإنسان بعمل مشروع ، حتّى لو كان لقاء ، يصبح بموجب كلمته مسؤولا مسؤولية صارمة ، وذلك هو قول الحقّ سبحانه : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا « 1 » . ويقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « آية المنافق ثلاث ، إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان » « 2 » . وهو درس يجد أصله في القرآن في قوله تعالى : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ « 3 » ومن البيّن في الأمثلة السّابقة أنّ الإنسان هو الّذي يجعل نفسه مسؤولا بتدخل
--> ( 1 ) الإسراء : 34 . ( 2 ) انظر ، صحيح البخاري : 1 / 21 ح 33 و : 2 / 868 ح 3227 وص : 952 ح 2536 و : 3 / 1010 ح 2598 ، سنن التّرمذي : 5 / 19 ح 2631 ، مجمع الفائدة : 12 / 274 ، صحيح مسلم : 1 / 78 ح 59 ، الكافي : 2 / 223 ح 8 ، مسند أبي عوانة : 1 / 30 ح 43 ، شرح النّووي على صحيح مسلم : 2 / 48 ، صيانية صحيح مسلم : 1 / 232 ، سنن التّرمذي : 5 / 19 ح 2631 ، من لا يحضره الفقيه : 4 / 261 ح 821 ، الخصال : 121 ح 113 ، مجمع الزّوائد : 1 / 107 ، سنن البيهقي الكبرى : 6 / 85 ح 11240 ، تحف العقول : 21 ، بحار الأنوار : 72 / 205 ح 6 . ( 3 ) التّوبة : 75 - 77 .